السيد محمد حسين فضل الله

195

من وحي القرآن

والعملية والروحية التي أثارتها سورة البقرة في آياتها العقيدية والقصصية والتشريعية والإيمانية ، في هدفها الكبير من صنع الشخصية المسلمة المؤمنة على أساس هذه الصورة ، وبذلك يلتقي آخر السورة بأوّلها في الحديث عن المؤمنين في صفاتهم وتطلعاتهم وأعمالهم ، وفي الإيحاء بأن الحديث عن الإيمان والمؤمنين ليس مجرّد حديث يعيش في الخيال الروحي والفكري ، بل هو حديث عن حقيقة حيّة تحركت مفاهيمها في الواقع ، فاستطاعت أن تجسد الصورة في الفرد وفي المجتمع ، في النموذج الأمثل الأعلى المتمثل بالرسول محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وفي النماذج المتنوعة الجيّدة المتجسدة في شخصيات المؤمنين الذين رافقوا الرسول صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم أو الذين جاؤوا من بعده . وربما كان في الحديث عن الموضوع ، كواقع حيّ متحرك ، إيحاء للعاملين بالتحرّك في دعوتهم إلى اللَّه على الأساس الواقعي الذي يحوّل المفاهيم إلى مواقف ونماذج وأوضاع حيّة ، ولا يتركها مجرد مفاهيم تتحرك فيها الكلمات وتلتهب من خلالها المشاعر ، فإن قيمة الدعوة تتمثل بمقدار ما تتجسد في الحياة عقيدة وشعورا وخططا عملية لهذه الحياة .